ابن رشد
136
تهافت التهافت
الحكيم : أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي لنفسه ؛ أعني أن يجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه ، وأن يقبل لهم من الحجج النوع الذي يقبله لنفسه . فنقول : أما ما شنعوا به من أن المبدأ الأول إذا كان لا يعقل إلا ذاته فهو جاهل بجميع ما خلق ، فإنما كان يلزم ذلك لو كان ما يعقل من ذاته شيئا هو غير الموجودات بإطلاق ، وإنما الذي يضعون أن الذي يعقله من ذاته هو الموجودات بأشرف وجود ، وأنه العقل الذي هو علة للموجودات لا بأنه يعقل الموجودات من جهة أنها علة لعقله كالحال في العقل منا ، فمعنى قولهم أنه لا يعقل ما دونه من الموجودات ، أي أنه لا يعقلها بالجهة التي نعقلها نحن بها ، بل بالجهة التي لا يعقلها بها عاقل موجود سواه سبحانه ، لأنه لو عقلها موجود بالجهة التي يعقلها هو لشاركه في علمه تعالى اللّه عن ذلك ، وهذه هي الصفة المختصة به سبحانه ، ولذلك ذهب بعض المتكلمين أن له صفة تخصه سوى الصفات السبع التي أثبتوها له . ولذلك لا يجوز في علمه أن يوصف بأنه كلي ، ولا جزئي ، لأن الكلي والجزئي معلولان عن الموجودات ، وكلا العلمين كائن فاسد ، وسنبين هذا أكثر عند التكلم : هل يعلم الجزئيات أو لا يعلمها على ما جرت به عادتهم في فرض هذه المسألة . وسنبين أنها مسألة مستحيلة في حق اللّه تبارك وتعالى . وهذه المسألة انحصرت بين قسمين ضروريين ، أحدهما : أن اللّه تعالى لو عقل الموجودات على أنها علة لعلمه للزم أن يكون عقله كائنا فاسدا ، وأن يستكمل الأشرف بالأخس . ولو كانت ذاته غير معقولات الأشياء ونظامها لكان هاهنا عقل آخر ليس هو إدراك صور الموجودات على ما هي عليه من الترتيب والنظام ، وإذا كان هذان الوجهان يستحيلان لزم أن يكون ما يعقله ذاته هو الموجودات بوجود أشرف من الوجود الذي صارت به موجودة . والشاهد على أنه الموجود الواحد بعينه يوجد له مراتب في الوجود هو ما يظهر من أمر النفس ، فإن اللون نجد له مراتب في الوجود بعضها أشرف من بعض ، وذلك أن أحسن مراتبه هو وجوده في الهيولى ، وله وجود أشرف من هذا ، وهو وجوده في البصر ، وذلك أن هذا الوجود هو وجود للون مدرك لذاته ، والذي له في الهيولى هو وجود جمادي غير مدرك لذاته ، وقد تبيّن أيضا في علم النفس : أنّ للّون وجودا أيضا في القوة الخيالية ، وأنه أشرف من وجوده في القوة الباصرة ، وكذلك تبيّن « أن » له في